
ميزانية المياه على كوكب الأرض: رحلة قطرة واحدة عبر الزمن
يوجد على الأرض ما يقارب 370 كوينتيليون جالون من الماء في جميع أنحاء الكوكب في البحيرات والأنهار والأنهار الجليدية والمحيطات والمياه الجوفية. ومع ذلك، فإن جزءًا صغيرًا فقط من هذه المياه صالح للاستخدام من قبل البشر. تُعدُّ “الميزانية المائية” للأرض – حيث توجد هذه الأشكال المختلفة من المياه وكيفية تحركها – جزءًا مهمًا من فهم كوكبنا والتخطيط لاحتياجات المياه المستقبلية. والحقيقة البسيطة والمذهلة في آن واحد هي أن كمية المياه على الأرض ظلت ثابتة تقريباً منذ ملايين السنين. نفس القطرات التي شربتها المخلوقات في الأزمنة الغابرة ونفس الجزيئات التي ملأت أنهار بابل وطافت في بحار فينيقيا، لا تزال معنا اليوم. المياه لا تختفي ولا تُستحدث، بل تتحرك في دورة أبدية بين السماء والأرض والبحار.
تخيل أن الأرض عبارة عن حساب مصرفي ضخم لكن بدلاً من الأموال، نتحدث عن المياه. هذا الحساب يحتوي على حوالي 1.386 مليار كيلومتر مكعب من المياه. رقم يصعب تخيله، أليس كذلك؟ لنضعه في سياق آخر: لو صببنا كل هذه المياه فوق بلدٍ مثل مصر لغطت البلاد بعمق 145 كيلومتراً. لكن المفاجأة الحقيقية ليست في الكمية الإجمالية، بل في التوزيع. تصور أن لديك ألف لتر من الماء أمامك، 97.5% منها مالحة تماماً. من الـ 2.5% المتبقية العذبة، حوالي 70% محبوسة في الأنهار الجليدية والغطاء الجليدي القطبي، كتلك الكتل الضخمة في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية. فماذا يتبقى لنا؟ أقل من 1% من المياه العذبة متاحة فعلياً للاستخدام البشري. هذا هو الجزء الذي نعيش عليه وننمي به محاصيلنا ونشغل به مصانعنا ونملأ به أكواب الشاي صباحاً.
دورة المياه في الطبيعة
الشمس هي المحرك الرئيسي لهذه الدورة المائية. كل يوم، تسحب أشعتها الدافئة حوالي 1,386 كيلومتر مكعب من الماء من المحيطات والبحيرات والأنهار والتربة، بل وحتى من أوراق الأشجار. هذه المياه المتبخرة تصعد للأعلى، تتكثف في السحب، ثم تعود للأرض على شكل أمطار وثلوج. لكن العملية ليست عشوائية أبداً. هناك توازن دقيق يحكمها. فما يتبخر من المحيطات أكثر مما يعود إليها مباشرة عبر الأمطار، لكن الفرق يعود إلى البحار عبر الأنهار والمياه الجوفية. إنها ميزانية محكمة وكل قطرة فيها محسوبة.
المشكلة أن البشر بدأوا يعبثون بهذه الميزانية. منذ الثورة الصناعية ونحن نضخ الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي. وهنا يأتي الجزء المثير للقلق: الغلاف الجوي الأكثر دفئاً يحمل بخار ماء أكثر بنسبة 7% لكل درجة مئوية من الاحترار. يبدو هذا تفصيلاً تقنياً بسيطاً، لكن تأثيره هائل.

عندما تختل الميزانية
في السنوات الأخيرة، بدأنا نرى علامات واضحة على اختلال هذه الميزانية المائية. فقد تسارع ذوبان الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا بوتيرة غير مسبوقة، وهي التي توفر المياه لمليارات البشر في آسيا. وقد تقلصت بحيرة تشاد في أفريقيا إلى 10% من حجمها الأصلي خلال 50 عاماً فقط. أضف إلى ذلك، فإن نهر كولورادو في الولايات المتحدة نادراً ما يصل إلى البحر الآن.
وفي الوقت نفسه، هناك مناطق أخرى تغرق تحت فيضانات لم تشهدها منذ قرون حيث شهدت باكستان مثلاً في 2022 فيضانات غطت ثلث البلاد. وفقدت ألمانيا أكثر من 200 شخص في فيضانات 2021 المفاجئة. التناقض المرعب هو أن نفس التغير المناخي يسبب جفافاً قاتلاً في مكان وفيضانات مدمرة في مكان آخر.
أيضاً فالجليد القطبي يذوب بمعدل 279 مليار طن سنوياً في غرينلاند وحدها، حيث تتحول هذه المياه المتجمدة التي كانت محفوظة لآلاف السنين الآن إلى مياه سائلة ترفع مستوى البحار والمحيطات والتي ارتفعت بمعدل 3.3 ملليمتر سنوياً في العقدين الأخيرين، وهذا المعدل يتسارع.
المياه الجوفية: الثروة الخفية المهددة
توجد تحت أقدامنا خزانات مياه جوفية تشكل 30% من المياه العذبة على الكوكب. بعض هذه الخزانات تكونت عبر آلاف السنين، لكننا نستنزفها بوتيرة أسرع بكثير من قدرتها على التجدد. ففي الهند تنخفض مستويات المياه الجوفية بمعدل متر واحد سنوياً في بعض المناطق. وفي الشرق الأوسط، نضخ من خزانات عمرها آلاف السنين وكأنها لن تنضب أبداً. فالحوض المائي في حوض الأردن على سبيل المثال يتعرض لضغط هائل من الكثافة السكانية والزراعة المكثفة. عندما تنضب هذه الخزانات لا نخسر المياه فقط وإنما هناك تبعات أخرى. فالأرض نفسها تهبط والمباني تتصدع والأنظمة البيئية تنهار. ففي مدينة مكسيكو مثلاً هبطت الأرض بأكثر من 10 أمتار في القرن الماضي بسبب استخراج المياه الجوفية.
الزراعة والعطش الكبير
في منطقة بحر آرال، كان الاتحاد السوفييتي يحول الأنهار لري حقول القطن. النتيجة؟ بحر آرال، الذي كان رابع أكبر بحيرة في العالم، تحول إلى صحراء ملحية. قرى الصيد أصبحت على بعد 100 كيلومتر من الماء. السفن الصدئة ترقد على رمال كانت يوماً قاع البحر.
بخار الماء: اللاعب الخفي في المناخ
يُعد بخار الماء من أقوى الغازات الدفيئة الطبيعية، لكنه لا يبقى في الغلاف الجوي طويلاً كثاني أكسيد الكربون. عندما ترتفع دراجة حرارة الكوكب بسبب انبعاثات الكربون، يحمل الهواء المزيد من بخار الماء والذي بدوره يؤدي إلى تسخين الكوكب أكثر. إنها حلقة متكررة ككرة ثلج تتدحرج وتكبر مع كل دورة. حتى الغيوم نفسها أصبحت لغزاً معقداً فبعضها يعكس أشعة الشمس ويبرد الأرض، وبعضها يحبس الحرارة. هذا التغير في أنماط السحب والعواصف يعيد رسم خريطة المناخ العالمي.
نحو ميزانية مائية مستدامة
الخبر الجيد أننا لسنا عاجزين تماماً. فهناك بعض الدول التي تعيد تدوير أكثر من 85% من مياه الصرف الصحي للزراعة، بينما معظم الدول لا تتجاوز 10%. وسنغافورة مثلاً حولت نفسها من دولة تعتمد على استيراد الماء إلى رائدة في تكنولوجيا تحلية المياه ومعالجتها. في أستراليا، يدفع المزارعون مقابل كل لتر ماء يستخدمونه، مما شجع على ابتكار تقنيات ري أكثر كفاءة. كالزراعة بالتنقيط التي توفر حتى 60% من الماء مقارنة بالري التقليدي.
حتى في حياتنا اليومية يمكن أن تحدث أبسط أساليب استخدامنا للماء فرقاً كبيراً. فالتوازن في استهلاك الأغذية وإصلاح الصنابير المتسربة واختيار منتجات تستهلك ماء أقل في إنتاجها، كلها خطوات صغيرة لكنها تتراكم.
ميزانية المياه على الأرض ليست مجرد موضوع علمي جاف. إنها قصة حياتنا، حضارتنا، ومستقبلنا. كل قطرة نهدرها، كل نهر نلوثه، كل خزان جوفي ننضبه، سيؤثر على الأجيال القادمة.





